أحدث المقالات

د. عصام العريان يكتب : صّناع الانقلاب العسكري الدموي


لم تكن الثورة المصرية العظيمة فى 25 يناير 2011 والمستمرة حتى الآن حدث عادياً فى تاريخ مصر ولا المنطقة العربية ولا الأمة الإسلامية، بل كانت تحولاً إستراتيجياً تاريخياً .
لقد أعقبت ثورة 25 يناير الثورة التونسية فوراً ولكن الموقع والتاريخ والثقل السكاني والاقتصادي لمصر جعل الجميع يدرك أن تلك هي الثورة التي ستغير وجه العالم العربي وقد تمتد إلى بقية العالم الإسلامي وسيكون لها تداعيات على الأمة الإسلامية الممتدة من جاكرتا إلى طنجا وملايين المسلمين في روسيا والجمهوريات السوفييتية سابقا,وأوروبا والأمريكتين، فضلا عن إفريقيا.

لذلك وقفت جهات عديدة ضد استكمال تلك الثورة لأهدافها وضد أن تستقر الأوضاع بمصر عقبها وضد أن يتم التحول الديمقراطي الذى يعني في جوهره الحقيقي مصالحة تاريخية بين الإسلام والحضارات الأخرى وبين الأحزاب والحراكات الإسلامية السياسية وبين المفاهيم الحديثة فى الحكم والإدارة, مثل الديمقراطية والنظام الدستوري النيابي ودولة القانون وغيرها,وأنها قد تضع نهاية سلمية لصراعات ممتدة زمنيا وتاريخيا بل وجغرافيا بين قوى الاحتلال والهيمنة والتبعية في أوروبا وأمريكا وروسيا وبين القوى الصاعدة فى العالم العربي والإسلامي وذلك عبر الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل وتعظيم المصالح المشتركة ضد :العنف والإرهاب,وضد الهجرة السرية,وضد الجريمة المنظمة,ومعا لحماية البيئة وحماية الكوكب الأرضي ومنع الحروب الإقليمية والدولية.

أهم تلك الجهات التي عملت بدأب وإصرار على منع ثورة الشعب المصري من المضي في طريقها الديمقراطي وبناء دولة حديثة لكل مواطنيها ومعالجة تراث عميق من الاستبداد والظلم والفساد والتبعية هي:

1- الاحتلال الصهيوني وأذنابه الذين سلموا له باحتلال الأرض والسيطرة على كل فلسطين ورضوا بالاتفاقيات المهينة دون أي محاولة جادة للحصول على حقوق الشعب الفلسطيني وهؤلاء لم يعودوا فقط في الوسط الفلسطيني من المهرولين والعملاء والضعفاء واليائسين, بل الامتدادات الأخرى في دول فتحت مكاتب للعدو وعقد معه صفقات أمنية وسياسية واقتصادية وربطوا مصالحهم ببقاء الاحتلال الصهيوني لفلسطين والقدس والأقصى، هؤلاء الذين استسلموا بحجة عدم إمكانية إنهاء الاحتلال وعودة التجانس بين أبناء الديانات السماوية الإبراهيمية كما كان من قبل.

2- حكومات ونظم عربية ملكية وجمهورية تبغض كلمة الديمقراطية، غالبيتها لا يعرف الحكم الدستوري والانتخابات الحرة فضلاً عن أن تكون هناك انتخابات أصلاً، ولا تعترف بإرادة الشعب التي كانت جوهر الثورة المصرية.
وقد كانت معظم هذه الحكومات ورجال مخابرتها وأمنها على صلة وطيدة بنظام مبارك ورموزه الأمنية والمخابراتية والاقتصادية ولذلك اعتبرت أن الإطاحة بمبارك ثم العمل والسعي الحثيث لتغيير نظامه المفسد التابع ومحاكمة رموزه السياسية والاقتصادية والأمنية مؤشراً خطيراً وخيانة من أميريكا (الإدارة الأمريكية)لأحد أهم حلفائها في المنطقة وركائز سياستها مما اعتبرته مؤشراً على وصول رياح تلك الثورة إلى بلادهم وشخوصهم ونظم حكمهم حتى ولو لم يتم ذلك في المدى القريب,لذلك عملوا على احتواء الثورتين اللتين تبعتا مصر في ليبيا واليمن,ثم عملوا بدأب على عسكرة الثورة السورية حتى تتحول إلى صراع مسلح بين نظام حاكم وجماعات مسلحة مما أدى إلى تدمير سوريا العربية وجيشها وتفتيت مجتمعها بحيث تتحول إلى ما هو أخطر من العراق وهذا يصب فى صالح بقاء تلك النظم والأسر الحاكمة لأن الشعوب لديها حاسة استشعار تجاه المخاطر التي قد تنجم عن الغضب والثورة والتغيير.

3- الإدارة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والحكومات القوية فى أوروبا التي كانت تتوقع أن يخلف مبارك الأحزاب العلمانية والقوى الشبابية الثورية مع وجود مؤثر للأحزاب الإسلامية لكن بدون انفراد لأي منها بحيث يكون البرلمان معلقا لا توجد فيه أغلبية واضحة لتيار يستطيع حسم القرارات التشريعية والاقتصادية وتوحيد السياسات العامة وهنا يعظم الدور الأوروبي الذي يقدم نفسه وسيطا بين كل الأطراف مما يجعله قادرا على توجيه السياسات لصالح أوروبا والغرب حيث تخطط أمريكا لانسحاب تدريجي والاهتمام بآسيا.ولم يكن لتلك القوى الغربية (قوى الهيمنة والتبعية) إلا هم أساسي وآخر احتياطي.أساساً لا يمكن أن تسمح بأي تهديد جاد ولو فى المستقبل للكيان الصهيوني الذي يحتل فلسطين ويتوسع فيها استيطانا ليبتلع الضفة الغربية.
والهم الثاني "الاحتياطي"هو منع بروز أى نظام حكم إسلامي وسطي معتدل يهدد نظرية الفتنة بين السنة والشيعة,ويهدد نظم حكم ترى رياح التغيير قد تصل إليها,بل تهدد حكومات تدعى تمثيل النظرية الإسلامية فى الحكم,سنية كانت أم شيعية,ذلك باعتماد نظرية سياسية جديدة تحترم معطيات الحضارات الأخرى فى حقوق الإنسان ودولة القانون والبناء الدستوري النيابي الديمقراطي ويعلي من دور الأمة والشعب على حساب الهيراركية الدينية أو الأسر الحاكمة بحق الدم والنسب أو الحزب القائد المهيمن.

4- أركان النظام السابق (نظام يوليو وليس نظام مبارك فقط)الذي احتكر الحكم ستين سنة وغيّب الإرادة الشعبية تحت شعارات براقة وزعامات مصنوعة إعلاميا ولأحداث مرتبة (باستثناء حرب رمضان /أكتوبر)وانتهى إلى حكم مبارك الذي كان امتداداً طبيعياً لفشل يوليو في تحديث نفسها فكان كارثياً على كل الأصعدة.
وهؤلاء كانوا سياسيين فى الحكم والمعارضة المستأنسة,وإعلاميين صنعهم أبرز رموز نظام مبارك على عينيه (صفوت الشريف)فى التلفاز والإذاعة بل في الصحافة والثقافة, والأخطر الاقتصاديين من رجال المال والأعمال والأكاديميين فى الجامعات ومراكز البحوث والدراسات الذين يشكلون عقل الشعب,وأخطر هؤلاء على الإطلاق هم معظم القضاة الذين استسلموا لنظام قمعي دموي كان يعفيهم من المحاكمات السياسية فيحيلها إلى محاكم عسكرية,ولما رأوا أن النظام لا يسقط أظهروا حقيقتهم وانحيازاتهم إلى الظلم والبغي
,وقد قالوا قديماً إن العدل ليس في نص القانون بل هو فى ضمير القاضي.
إذاً ساسة ورجال مال وأعمال وأكاديميون واقتصاديون وقضاة وإعلاميون ولم يتبق إلا رجال الأمن الذين كانوا يحرسون النظام ويحرسون كل هؤلاء من غضبة شعبية يعلم الجميع أنها متوقعة,وعندما جاءت كانت ضد القبضة الأمنية أصلاً.
هؤلاء جميعاً كانوا أعداء الثورة يريدون إجهاضها ومنعها من استكمال مسيرتها.

5- أنصار الحرب على الإرهاب والكارهون للإسلام فى الغرب والشرق فى مصر والعالم العربي والإسلامي,الذين جمعهم معاً فلسفة واحدة ترى أن معظم العنف والإرهاب فى العالم كله هو الدين الإسلامي وليس انحراف البعض عن الفهم الصحيح للإسلام يرون أن العقيدة الإسلامية تحرض فى جوهرها على العنف ولا أمل فى تصحيح مفاهيم الشباب المغالي او المتشدد المتطرف ولكن الحل من وجهة نظرهم حرب الدين نفسه وتحويل الدين إلى فلكلور وحصره فى العبارات المحضة ويرون أن لا حل إلا سياسة تجفيف المنابع ومنع التيارات الإسلامية من الوصول إلى سلطة الحكم أو تكوين أحزاب سياسية والمشاركة في الشأن العام أو حتى مجرد وجودهم الفيزيائي الجسماني وذلك أقصى درجات الغلو فى التطرف بالإجهاز عليهم جسديا إما بالقتل الصريح بالرصاص الحيّ وإما بإلقائهم فى السجون وراء الأسوار لسنوات طويلة ينهكهم فيها المرض والقتل البطيء لهم.

هؤلاء هم أبرز أعداء الثورة المصرية,والشعب المصري الذى كان يفخر به زعيم مصر فى ثورة 1919 الذى كان سعيداً بلقب (زعيم أصحاب الجلابيب الزرقاء)أيّ الفلاحين الذين صنعوا ثورة 1919 ولكنه لم يطل به عمر ليرسخ دستور 1923 ولم يتمكن (الوفد)الذي أسسه من حكم مصر إلا حوالي سبع سنوات ونصف من (1923 - 1952)ضد إرادة نفس تلك القوى فى جوهرها الاحتلال البريطاني,والقصر الملكي,وأحزاب الأقلية,والنخب الاقتصادية الإقطاعية الصناعية,ورموز ثقافية وأكاديمية.
قد نجد تنويعات أخرى لا تندرج تحت أى طائفة من هؤلاء,مثل جموع غاضبة كانت توقعتها من الثورة عالية وغير منضبطة لكنها كانت وقود وحطب استخدمه هؤلاء جميعاً لصنع الانقلاب العسكري الفاشي الدموي على الثورة المصرية.
ودروس التاريخ تقول لنا إن الثورات تمضي فى طريقها,وتتغلب على كل العوائق طالما امتلك الثوار :الصبر واليقين بالنصر,الوعي والثقة بالنفس,المثابرة والمرابطة حتى يتحقق النصر,احتمال مشاق طريق الشاق والتعلم من العثرات والأخطاء وتجاوزها رغم طول الطريق ووعورته.
لقد ألغى إسماعيل صدقي باشا دستور الثورة الأولى فى عام 1919(دستور 1923)والذي أسس بالتجربة الليبرالية التى انقلب عليها العسكر أيضاً عام 1952,ألغاه عام 1930 وحكم بدستور زائف ثلاث سنوات عجاف لم يقبل فيها الشعب وحزبه (الوفد)الأكبر وقتها فرض الأمر الواقع فاستسلم رجل مصر الذكي والقوي والمدني "إسماعيل صدقي"ورضخ الاحتلال ومعه القصر وأحزاب الأقلية للرفض الشعبي فعاد دستور الأمة دستور 1923 من جديد لتعلوا إرادة الشعب فوق كل إرادة.
وهذا درس عظيم لنا, والزمان أصبح مختصرا لأن,ثلاث سنوات فى بداية القرن الماضي قد تساوى ثلاثة أشهر فى قرننا الواحد والعشرين.
ويسألونك متى هو؟ قل عسى أن يكون قريباً.
إذن هي ثورة مصرية من أجل التحرر الوطني ضد الهيمنة والاحتلال والسيطرة الأجنبية من أجل الاستقلال الوطني والحرية والكرامة.
ولنا عودة بمشيئة الله لاستكمال المشهد الحالي في مصر.
والله أكبر و تحيا مصر.
والله أكبر والنصر للثورة والثوار.
والله أكبر والجنة للشهداء الأبرار.
والله أكبر ويصمد الشعب.
والله أكبر ولله الحمد ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
.

اقرأ المزيد هنا  https://www.facebook.com/mkalatkom

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الزوار

مدونة مقالاتكم Designed by أحمد عبد العزيز | MyBloggerLab Copyright © 2014

مدونة مقالاتكم. صور المظاهر بواسطة richcano. يتم التشغيل بواسطة Blogger.