أحدث المقالات

سليم عزوز يكتب : فقه العلوم السيسية!


لله دره، الدكتور سيف الدين عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية، بجامعة القاهرة، الذي طالبنا بالتمييز بين العلوم السياسية، واصطلاح جديد يقوم البعض بالترويج له، لتحسبوه من العلوم السياسية وما هو من العلوم السياسية، وهو العلوم السيسية، بحسب قول الدكتور سيف!.
بعض الذين تخرجوا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، وبعضهم عمل في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بمؤسسة " الأهرام الصحفية"، وجدوا أن الفرصة مواتية للترقي الاجتماعي من خلال الالتحاق بالسلطة، لذا فهم يسعون لخدمة أهل الحكم ، تقرباً إليهم بالنوافل، وسعياً للوجاهة الاجتماعية، وذلك بالتأسيس لنزوات الحكام الجدد " لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب"، وعلي نحو احتفوا فيه بالانقلاب العسكري، وساهموا في تقديمه للرأي العام علي أنه ثورة، وفي التأكيد علي أن الشرعية لا تمنحها صناديق الاقتراع، وإنما هي تتمثل في الحضور الجماهيري في الميادين!.
وفي الواقع أن كثيرين ممن تخرجوا في الكلية سالفة الذكر، وحالت ظروفهم الاجتماعية دون الالتحاق بالعمل الدبلوماسي.. ( قبل سنوات انتحر أحد الخريجين بإلقاء نفسه في نهر النيل لاستبعاده من العمل الدبلوماسي لعدم اللياقة الاجتماعية)، انطلقوا يبحثون عن المكانة بتقديم الخدمات للحكام، وهي خدمة جديدة تشبه، خدمة تقديم الطلبات للمنازل " دليفري"، ونشاهد من يدخل الغش والتدليس في عقول الناس بعد أن يؤكد أنه متخصص في علم السياسة.
وباعتباره يشبه العلم اللدني، الذي لم يحط به أحد ، إلا من تخرجوا في هذه الكلية الرائدة، التي تستمد قيمتها من الندرة، فلا تزال إلى الآن ترفض فكرة التوسع في أن يكون لها شبيه في أي جامعة أخري.
وعندما اعتمدت الجامعات المصرية نظام التعليم المفتوح، رفضت إدارة هذه الكلية أن تشارك في هذا النظام حفاظاً علي الندرة، وقد انتقل البعض من مكانة الباحث السياسي، إلى مرتبة الناشط، وصار ينافس النشطاء، دون ان يقدم شيئاً يذكر في مجال البحث، وصار البعض يسعي لتولي المناصب السياسية، ولا توجد تجربة ناجحة لأحدهم، وقد ظل الدكتور علي الدين هلال يناضل علي كافة الأصعدة من أجل أن يصبح وزيراً، وعندما عينوه وزيراً للشباب، فشل فشلاً ذريعاً، ثم استتبع الفشل بفشل آخر، عندما صار من المنظرين للفكر الجديد الذي يمثله جمال مبارك.
لقد بدأ استدعاء القوم إلي مجال الممارسة السياسية والنجومية، من خلال التشكيلات السياسية التي يراد لها أن تمثل أدواراً ملتبسة مثل المساهمة في تجمعات تهدف للتقرب من الكيان الإسرائيلي، ومن أول جماعة كوبنهاغن، ثم فتحت لهم "الأمصار" بصعود نجم جمال مبارك، ورأوا ان الفرصة سانحة ليتصدروا المشهد السياسي.
وقد تشكلت الجبهة الأولي من " خبراء" مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، ومن خريجي هذه الكلية العريقة، بعد أن جري الخلط بين "القيمة" و"النجومية"، ومنهم من صاروا نجوماً يخرج أحدهم من أستوديو إلى أستوديو، ومن فضائية إلي فضائية، حتى إذا سألتهم عن إنتاجهم البحثي، ارتد إليك البصر خاسئاَ وهو حسير!.
في بداية عملي بالصحافة قبل ربع قرن، تزاملت مع أحد خريجي هذه الكلية المتميزة، وعلي الرغم من أنه ترقي وفق نظام الأقدمية إلى موقع الرجل الثاني في صحيفته، فإنه لم يكن متميزاً مهنياً بين أقرانه، فلم يجد ما يتفاخر به، إلا أنه تخرج في كلية السياسة والاقتصاد، الكلية الوحيدة والفريدة من نوعها في مصر والشرق الأوسط!.
" الكلية الوحيدة والفريدة من نوعها في مصر والشرق الأوسط"، هو الاكليشه الذي يتبع به صاحبنا اسم كليته إذا تحدث وإذا كتب، فهو تخرج في كلية السياسة والاقتصاد، " الكلية الوحيدة والفريدة من نوعها في مصر والشرق الأوسط".. وهو التقي بالدكتور علي الدين هلال أستاذه في " الكلية الوحيدة والفريدة من نوعها في مصر والشرق والأوسط"، وحوار مع أحمد الغندور، عميد كلية السياسة والاقتصاد، " الكلية الوحيدة والفريدة من نوعها في مصر والشرق الأوسط".. ومن الأشياء التي درسها في كلية السياسة والاقتصاد، " الكلية ..........."!.
وقد أعرض عن هذا، بعد واقعة محرجة، إذ دعانا زميل كان يعمل محرراً تحت التمرين، لافتتاح دار نشر أسسها، وقد استقبلتنا سكرتيرته، التي حرص علي أن يستدعيها لتسألنا عن المشاريب، ثم دخلت علينا بها، وقد سألها أمامنا عن الكلية التي تخرجت فيها؟.. فأجابت " كلية السياسة والاقتصاد".. وهتفنا نحن: " الكلية الوحيدة والفريدة من نوعها في مصر والشرق الأوسط"، والوحيد الذي لم يهتم هو هذا الزميل الذي هتف كثيراً في السابق بمفرده، ولا أذكر أنه هتف بذلك بعد واقعة السكرتيرة حاملة " صينية المشاريب"!.
محمد حسنين هيكل، رئيس مؤسسة " الأهرام" هو من اخترع مركز الدراسات السياسية والاقتصادية بالأهرام، وبدا الأمر  كما لو كان يهدف إلى رفع الحرج عن الرئيس جمال عبد الناصر، وحتى لا يكون تعيينها في أي وظيفة من شأنه أن يفتح الباب للقيل والقال، وناصر يقدم نفسه للرأي العام علي أنه يمثل " الطُهر الثوري"، فعندما حدث هيكل بحيرته في مسألة تعيين كريمته " هدي" التي تخرجت للتو في كلية السياسة والاقتصاد، فإذا بهيكل يؤكد له أنه، ويا للمصادفة التي هي خير من ألف ميعاد، قرر أن يفتتح هذا المركز، الذي قرر له، ويا للمصادفة السعيدة أيضاً، أن يضم إليه كل دفعة هذه الكلية ممن فاتهم قطار التعيين كمعيدين، أو في السلك الدبلوماسي، وقد عينها، كما عين خطيبها، وزوجها وطليقها في وقت لاحق، في المركز وكان أيضاً ممن تخرجوا في كلية السياسة والاقتصاد.
على ذكر هيكل، فقد حاول الرجل أن يسيطر علي الحكم في عهد الرئيس السادات، عن طريق هذا المركز، بحسب رواية السادات، فقد كان هيكل يؤكد له كثيراً أن الدولة تنهار وعلي كافة المجالات، ويقول السادات إنه كان يسأل وكان الرد يأتي له بأن الأوضاع ليست كما يردد هيكل، الذي فهم السادات " العقر" ما يصبو إليه محدثه.
وذات يوم سأله: وما العمل لمواجهة هذا الانهيار؟.. ورد هيكل: لدينا في الأهرام مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، وبه خبراء من كافة التخصصات، فنضع ملفات البلد أمامهم ، ويعكفوا عليها ويبحثوا عن حلول لها، لكن السادات ظل كلما التقي به يقول له ساخراً: " إيه أخبار الخبراء يا هيكل"؟!.
عندما نشاهد أداء بعض الخبراء منذ " فتح الأمصار" في مرحلة جمال مبارك، إلى الآن، فإننا لا يمكن إلا أن نسلم بذكاء السادات، ويسأل المرء الآن ماذا لو كانت ملفات البلد ذهبت إلى هؤلاء الخبراء ليبحثوا عن حلول لأزماتها؟!
لقد شاهدنا بعضهم يمالئ حكم العسكر بعد الثورة، ومنهم من سعي لأن يحجز له مقعداً في حكم الإخوان، فلم يمكنوهم من ذلك، فإذا بهم يضعون كل العلوم السياسية في خدمة الانقلاب علي الإرادة الشعبية، في خمس استحقاقات انتخابية، ومن أول الاستفتاء علي التعديلات الدستورية، إلى الاستفتاء على الدستور، مروراً بانتخابات مجلسي الشعب والشورى والانتخابات الرئاسية.
وتابعنا محاولات تقديم هذا الانقلاب علي أنه ثورة شعبية، بل ووجدنا من يبرر باسم العلوم السياسية وقف المسار الديمقراطي الذي اعتمدته البلاد بعد الثورة، بل ويبرر قتل المتظاهرين السلميين، باستدعاء واقعة الاعتداء التي جرت علي المتظاهرين في لندن بأيدي البوليس، مع أن هناك خلافاً بين طبيعة المتظاهرين هنا والمتظاهرين هناك ، وبين الحكم في مصر والحكم في بريطانيا، فالحكم في المحروسة لم يأت بالإرادة الشعبية، أما في بريطانيا فالحكومة التي يتبعها البوليس هي حكومة منتخبة وأفرزتها صناديق الاقتراع.
ولم يتوقف بعضهم عند إدخال الغش والتدليس في التحليل، وإنما امتد التزوير الى المعلومة، وقد شاهدت أحدهم يعيد ويزيد في أنه خبير في العلوم السياسية، فهو يشرف بأنه تخرج في كلية السياسة والاقتصاد، ويشرف بأنه يعمل في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية، وباعتباره جمع بين الحسنيين، ينطلق من ذلك ويمرر عشرات الأخبار الكاذبة، وكان مما ذكره أربع مرات أن محمد مرسي هو راعي الإرهاب، والدليل أنه أفرج عن شقيق أيمن الظواهري قائد تنظيم القاعدة، المدان بأحكام قضائية، وبالبحث والسؤال تأكدت أن عملية الإفراج عنه تمت في فترة حكم المجلس العسكري، وبعض من كانوا في أفغانستان وعادوا إلى مصر مع بداية الثورة، ألغيت الأحكام الصادرة ضدهم من القضاء العسكري بأحكام من القضاء العسكري أيضاً.
باسم العلوم السياسية، تم تبرير القتل، وباسم العلوم السياسية وجدنا دفاعاً عن نص لا وجود له في أي بلد في العالم يحصن اسم الفريق عبد الفتاح السيسي، ويحصن موقع وزير الدفاع في الدستور، فليس من سلطة الرئيس المنتخب تعيينه أو عزله، وليس من سلطة الشعب صاحب الإرادة أن يعزله أو يعين غيره، وليس معقوداً للحزب الحاصل علي الأغلبية في الانتخابات البرلمانية المنوط به تشكيل الحكومة أن يقترب منه بشطر كلمة، وليس من سلطة البرلمان المنتخب بإرادة الجماهير أن يستجوبه أو يقترب منه ولو بكلمة "إف"، فوزير الدفاع فوق الدستور، وفوق القانون، وفوق الشعب، وفوق الدولة. وهو وضع ليس له وجود في أي دستور في الكون بما في ذلك دساتير البلدان التي تركب الأفيال.
ويأسف المرء عندما لا يجد هناك فارق في التفكير بين " باحث سريح"، وبين قيمة في مجاله كالدكتور حسن نافعة.. فالكل يؤسس لفرع جديد اسمه العلوم السيسية، ويسعي لأن يختلط الأمر في أذهان العامة، فيظن أن هذا من المعلوم من العلوم السياسية بالضرورة. صدق الدكتور سيف الدين عبد الفتاح.


اقرأ المزيد هنا:  www.facebook.com/mkalatkom

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الزوار

مدونة مقالاتكم Designed by أحمد عبد العزيز | MyBloggerLab Copyright © 2014

مدونة مقالاتكم. صور المظاهر بواسطة richcano. يتم التشغيل بواسطة Blogger.