أحدث المقالات

سليم عزوز يكتب : هذا الانقلاب المبهج!


قبل أربع سنوات صدر لي كتاب " شر البلية.. في السياسة والذي منه"، وليس في نيتي أن أقوم بالدعاية له الآن، لأنه نفذ من الأسواق عقب صدوره، علي نحو جعل وريث " تافه" لناشر معروف، يضرب كفاً بكف علي هذا الكاتب الذي لا يعرفه أحد، ومع هذا ومع أول إصدار له كلما التقي بأحد سأله عن كتابه.
وقد أدهشه أن يعرض الكتاب ضمن مجموعة من الكتب التي صدرت حديثاً علي عمرو موسي ومن بينها " شر البلية" فيفاجئه موسي بأنه متابع للكاتب وقد قرأ الكتاب، وكان موسي يشغل حينئذ وظيفة مرموقة هي رئيس جامعة الدول العربية، وقد غني له خالد الذكر شعبان عبد الرحيم: "أحب عمرو موسي وأكره إسرائيل"، فأثارت الأغنية نوازع "الحقد الطبقي" لدي حسني مبارك!.
لم يكن الوريث " التافه" للناشر المعروف، يعلم أن عمرو موسي متابع قديم لنا، وأنه هو من اقترح علي رئيس تحرير صحيفتي في سنة 1999، أن أكتب زاوية يومية بها، وقال إنه متابع لمقالي الأسبوعي منذ سنوات، وقد ظللت أكتبها إلى بداية شهر أكتوبر 2002، قبل أن تتحرك قوات النظام وتزيل هذه الزاوية باعتبارها من العشوائيات التي تشوه وجه " القاهرة الحضاري".
فشهر أكتوبر هذا له ذكريات سيئة في حياتي، وكما يقول التونسيون " ربي يستر"، وقد كتب رئيس التحرير مقالاً استهلالياً يمهد به لهذا الاكتشاف الجبار، الذي هو وليد تكفير عميق لمجلس التحرير، بحثاً عن كاتب لزاوية يومية، فإذا بهم جميعاً وبعد أن اخذوا نفساً عميقاً كذلك يهتفون باسم الكاتب الذي يجلس بجوارهم، وجاء مقال صاحبه يحمل عنوان: " مطرب الحي" وختمه بأن مطرب الحي في النهاية لا يطرب، لكن مطرب حينا يطربنا!.
ولم يكن الأمر دقيقاً، فالصحيح أنه جاء باقتراح عمرو موسي، وألقاه علي مجلس التحرير فحدث إجماع بسيف الحياء، إذ كنت حاضراً بصفتي عضواً في مجلس التحرير هذا، ولا أظن أنني كنت سأفوز بالإرادة الشعبية لو لجأ للاقتراع السري المباشر!.
عنوان " مطرب الحي" تنقصه كلمة لاستكمال اللحن وهي " لا يطرب"، وعنوان كتابنا " شر البلية".. تنقصه كذلك كلمة " ما يضحك"، وقد احتوي الكتاب علي مقالات لي كانت تمثل شر البلية الذي يضحك، وما يؤكد أن المستهدف من هذا المقال عدم الترويج للكتاب، إنه ليس في نيتي إعادة طباعته، لأن ما فيه يتضاءل بجانب المنتج الفكاهي للانقلاب العسكري، فهو وعلي الرغم من إنه انقلاب غشوم، أفرز حكماً عضوضاً إلا أنه حريص علي تسليتنا بنوادره التي تندرج تحت لافتة "شر البلية"!.
لن أحدثكم عن قصة الشيخ "مهدي" في "غزوة كرداسة"، ومعلوم أنه عندما جاءت القوات الباسلة، هتف هاتفها عبر مكبر للصوت يحذر الشيخ "مهدي"، بأن المكان محاصر، ويطالبه بأن يسلم نفسه، بينما الشيخ " مهدي" مات وشبع موتاً.
ولن أحدثكم بالتفصيل عن إمام المسجد القعيد الذي تم إلقاء القبض عليه وخضع للتحقيق وسين وجيم حول اتهامه بإحراق نقطة شرطة مع أن نقطة الشرطة هذه لا تزال علي حالها لم تُحرق، ولم يمسسها بشر!.
حديثنا اليوم يا حضرات حول ما جري مع اثنين من الصحفيين، أحدهم قريب من الإخوان، ولا أعرف ما إذا كان عضواً أم مجرد " معجب" والثاني هو المتحدث الإعلامي باسم حزب " البناء والتنمية" ولكل منهما قصة تستحق أن تروى!.
الأول هو أحمد عطوان الصحفي بجريدة " اليوم السابع" ، وقبل وقوع الانقلاب كان يعمل رئيس تحرير لبرنامج " نور الدين عبد الحافظ" علي فضائية " مصر 25"، لسان حال جماعة الإخوان، وقد أطلق باسم يوسف علي مقدم البرنامج اسم "خميس"، وظل هذا هو اسمه المعتمد لدي الناس فكل يظن أنه اسمه بالفعل " خميس" ولم يكن هذا صحيحاً، لكن باسم كان يقود حرباً ضد الإخوان، وقد تبين أنه لم يكن يفعل هذا بدوافع الشجاعة الشخصية، لكنه سماحة هذا الحكم في مواجهة المتطاولين عليه هي التي جعلته وغيره يسلخونه بألسنة حداد.
والدليل علي أن الأمر لم يكن مرده إلى شجاعة شخصية أن باسم أوقف برنامجه، وقد أوقفته القناة التي تبثه لأنه يعلم أن العين لا تعلو علي الحاجب ولا يمكنه أن يقترب من رحاب العسكر ولو بشطر كلمة، " ضعف الطالب والمطلوب".
قبل عدة أسابيع من الانقلاب عرض علي أحمد عطوان استضافتي في برنامج "خميس"، وكان رأيي أن كلامي لا تحتمله فضائية إخوانية، وإن كنت جهرت به في قناة " الناس" مع خالد عبد الله، فسمح به المجال، فـ " الناس" قريبة من الإخوان، لكن "مصر 25" هي قناة الإخوان. وكان حينها رأيي أن الرئيس محمد مرسي فشل في إدارة البلاد، لكني مع أن يستكمل دورته، احتراماً لإرادة الشعب، المقررة عندي بصناديق الانتخاب، وليس بعد الرؤوس وعلي قاعدة: رأس.. اثنان.. ثلاثة..وهي القاعدة التي اعتمدها الانقلابيون للتأسيس لشرعية انقلابهم!.
في اعتقادي أن الشخصي هو صاحب نفوذ علي العام، وأنه إذا كانت " مصر 25" يمكن أن تفتح بابها في هذا التوقيت للرؤى غير المتطابقة مع سياسة الإخوان، فإن اسمي سيحول دون موافقة أولي الأمر في القناة علي استضافتي، وإن عطوان ليس مدركاً لذلك، وقد أذكر له هذا فيظن أنني أقوم بالتهويل، لكن ما شغلني حقاً هو كيف يمكن لي أن اكتم الضحك لحظة ظهوري مع " خميس"، وهو يقول كلاماً مضحكاً كان باسم يستغله ضده للتشهير به وبالجماعة؟. سمعت أنه أصيب في رابعة.. شفاه الله وعفاه.
وقد صدق حدسي، فقد اختفي عطوان ولم يعد، ولم أسع للوقوف منه علي ماذا حدث رفعاً للحرج، ووقع الانقلاب وصار مطارداً. قد قامت قوات الأمن بمداهمة منزل أحمد عطوان في محافظة الغربية، وصدر قرار من جهات التحقيق بضبطه وإحضاره بتهم مزيكا.
فهو متهم بالتحريض علي إحراق محافظة الغربية.. وهو متهم بالتحريض علي إحراق مديرية الأمن بالغربية.. وهو متهم أيضا بالتحريض علي إحراق أقسام الشرطة بالمحافظة، كما أنه متهم بالتحريض علي إحراق كنيسة ماري جرجس بالغربية أيضاً.
وقد سعدت للوهلة الأولي لأن يكون لي زميل في حكم " خُط الصعيد"، فالقرعة تتباهي بشعر بنت أختها، وقديماً قال فيلسوف الغبراء: " الصيت ولا الغني"!.
لكن تبددت سعادتي عندما علمت أن عطوان ليس أكثر من متهم هاو، ومجرم تحت التمرين، علي وزن صحفي تحت التمرين!.
عطوان المطارد و" المبلغ فرار" ليس أكثر من " متهم خائب"، فقد حرض علي إحراق كل هذه المنشآت، ولا منشأة منها ألقي احد أمامها " عُقب سيجارة"، علي نحو دفعني للسؤال: ولماذا لم يتم اتهامه بالتحريض علي إضرام النيران في المعبد اليهودي؟!. سيقولون لأن المعبد لم يحرق، وسنرد وكل هذه المنشآت لم تحرق أيضاً.
الثاني في قائمة المتهمين، الذي صدر ضدهم قرار بالضبط والإحضار هو زميلنا خالد الشريف، الذين فتشوا في دفاترهم القديمة فوجدوه يترأس تحرير موقع "الإسلام اليوم"، فقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي!.
أنا وخالد بدأنا مشوارنا الصحفي في جريدة "الأحرار" معاً، ثم شارك هو في تأسيس جريدة " الحقيقة" التي تقع في نفس البناية ونفس الطابق الذي توجد فيه " الأحرار"، وكانت جهة الإصدار واحدة وهي حزب "الأحرار"، لكن " الحقيقة" كانت الأقرب إلى التوجه الإسلامي الذي يعتنقه خالد، وفي أول لقاء لي به كان في محكمة جنوب القاهرة كنت مكلفاً بأول عمل صحفي وهو تغطية وقائع المحاكمات لأعضاء الجماعات الإسلامية، وكان خالد الشريف في المحكمة لنفس السبب، لكنه كان مشغولاً بالإضافة الى ذلك بأمر آخر، إذ كان يحمل الطعام من أهالي المعتقلين إليهم في القفص!.
كان صاحبنا في هذا الوقت ملتحياً قبل أن يحلق لحيته بفتوى من الشيخ صلاح أبو إسماعيل، والد حازم، عقب اعتقاله، ومن الواضح أن هذا الاعتقال كان السبب فيه هذه اللحية، وعندما صارت مصر حرة عقب ثورة يناير لم يقم بتربيتها من جديد، علي الرغم من شغله موقع المتحدث الإعلامي باسم حزب الجماعة الإسلامية "البناء والتنمية"، وعندما التقينا في انتخابات نقابة الصحفيين قبل عدة شهور، قلت له: مصر الآن كلها أطلقت لحاها حتى غير المتدينين تماشياً مع العهد الجديد وأنت الوحيد الذي لم تنتهز هذه الفرصة، وضحك!
قد لمع اسم خالد الشريف في الآونة الأخيرة، وفي رابعة كان خطيباً علي منصتها في اليوم الأول، وصار نجماً فضائياً، لكن يبدو أن عيناً أصابته!. لم يكن خالد قد تم تعيينه في " الحقيقة" وقيده في نقابة الصحفيين عندما جرى اعتقاله في بداية التسعينيات من القرن الماضي.
لقد جاء إلى مسكنه زوار الفجر واقتادوه إلى المعتقل، وفي الصباح كان محمد عامر رئيس تحرير " الحقيقة"، وعبد الفتاح الشوربجي رئيس مجلس إدارتها وعضو مجلس الشعب، في مكتب وزير الداخلية عبد الحليم موسي، وانتظرتهما مع عدد من الزملاء إلى حين عودتهما لأطمئن علي صديقي.
كان محمد عامر رحمة الله غاضباً، خرج من المصعد خطيباً فقد أهانه الوزير بسبب خالد، وعامر وخالد كلاهما تخرج في كلية دار العلوم، لكن خالد هادئاً مبتسماً وعامر بركاناً يتفجر، وان كان الفارق بينهما " عمر" فعامر يكبر الشريف بثلاثين عاماً.
يتحدث عامر بالفصحى عندما يغضب، فتظن أن الرجل في حضرة زعماء قريش، وهو ما حدث عندما التقي وزير الداخلية في مكتبه، إاذ تحول الأمر بينهما إلى خناقة تدخل الراحل عبد الفتاح الشوريجي فأبعد المتشاجرين عن بعضهما!.
عبد الحليم موسي، كان يسوق الهبل علي الشيطنة، وكانت تستهويه شخصية "العبيط" والدرويش، وأحياناً كان يسعي إلى إزالة ما علق في أذهان الناس بسببه هو نفسه، فيقدم نفسه علي أنه ضابط أمن محترف، لتكتشف في النهاية أنه نصف "عبيط" ونصف " ضابط".
خفض الوزير من صوته حتى صار همساً، كأنه يعلن سراً يخشي عليه من أن يصل إلي أسماع الاخرين، فالجدران لها آذان. كان يريد أن يفجر قنبلة علي طريقة تدفع بعامر والشوربجي أن يغادرا المكان بلا كلام.
قال إن خالد يحمل سلاحاً، وقوات الأمن عثرت معه علي هذا السلاح، وقد فاجأه محمد عامر بردة فعله، إذ انتصب خطيباً وقال له: " كذبت .. كذبت .. كذبت"!.

وهنا تنازل موسي عن شخصية الدرويش واستدعي شخصية ضابط الشرطة: " تتهمني بالكذب يا عامر.. سأقوم باعتقالك لتلحق به".. وعامر يقول له: " لن تستطيع"!. بعد فترة الاعتقال المقررة في قانون الطوارئ تم الإفراج عن خالد الشريف ولا ذكر في التحقيقات للسلاح الذي قال الوزير إننا عثرنا عليه معه.
كنت أذكر ما قاله وزير الداخلية الأسبق باعتباره نادرة، من نوادر حكم مبارك المستبد العضوض، ولم أكن أعلم ما تخبئه لنا الأيام، التي قيل إنها حبلي تلدن كل عجيبة، وقد أنجبت لنا مشكورة غير مأجورة الانقلاب العسكري ونوادره!.
الجنين في بطن أمه يعلم أن خالد " مطلوب" لأنه ضد الانقلاب العسكري، ولأنه أيضا صوت حزب "البناء والتنمية" الرافض للانقلاب، لكنهم للانتقام منه، فتشوا في الدفاتر القديمة، وقاموا بتجريدة علي موقع " الإسلام اليوم" الذي يعمل في إطار قانوني كامل.
لقد تم إلقاء القبض علي كل من في المكتب بمن في ذلك "الساعي"، ووجهت لم جميعهم بمن فيهم "الساعي" تهمة نشر أخبار كاذبة، وحبسوا جميعاً بمن فيهم "الساعي" خمسة عشر يوما وتم تجديد الحبس أكثر من مرة، وفي كل مرة يوجه لهم بمن فيهم الساعي تهمة نشر أخبار كاذبة.
وقد صدر قرار بضبط وإحضار خالد الشريف، الذي اعتقد أنه من الأفضل له أن يسلم السلاح، فالمكان محاصر، وأي حركة سيضربون في المليان، وسلاحه هذه المرة هو قلمه ولسانه. يا له من انقلاب ينشر البهجة في ربوع عالمنا العربي، فشر البلية ما يضحك.

اقرأ المزيد هنا  https://www.facebook.com/mkalatkom

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الزوار

مدونة مقالاتكم Designed by أحمد عبد العزيز | MyBloggerLab Copyright © 2014

مدونة مقالاتكم. صور المظاهر بواسطة richcano. يتم التشغيل بواسطة Blogger.