دعونا نحسن الظن، ولم لا؟ خاصة ونحن نتكلم عن "زملاء" في مهنة القلم، أو هذا ما يفترض! نتكلم عن
صحفيين وإعلاميين، طالما وقفنا ندافع عن حقهم في التعبير عن رؤاهم ومواقفهم، مهما اختلفنا معها. وطالما ضمتنا معا تظاهرات تطالب بالعدالة وتنشد الحرية.
دعونا نحسن الظن، حتى وإن كانوا قد أداروا ظهرهم لهذا كله: للعدالة والحرية، ولنا أيضا. كما أداروا ظهرهم لحرمة الدم وقيمة المواطنة، منشغلين ـ في المقام الأول ـ بترديد أكاذيب الانقلاب عن أسلحة مزعومة يحملها المتظاهرون، مستبيحين معه قتلهم، وقتلنا.
دعونا نحسن الظن، وننصحهم موضحين لهم الأمر، مع أنه "من المعضلات توضيح الواضحات" كما يقول الإمام الشافعي. لن نذكر لهم كل أكاذيب الانقلاب، الموثقة بالصوت والصورة، كلواء كرداسة الذي أعلن معلق قناة "المحور" إصابته حتى من قبل أن تنطلق الرصاصة التي قتلته، واستشهادات "السيسي" التي كذبها كل من استشهد به. لن نشير إلى مئات مقاطع الفيديو والصور التي تؤكد سلمية المظاهرات، وتوثق جرائم بعض عناصر الشرطة (وأتباعها البلطجية) والعسكر وهم يطلقون الرصاص. دعونا نتجاوز هذا كله، ونكتفي بشهادتين موثقتين:
الأولى، للأستاذ "محمد الزيات" الصحفي في "البديل" وفيها يقول عن تظاهرات 6 من أكتوبر:
كان بجوارى صديقي "آدم سعيد'' ـ مصور صحفي يعمل هو الأخر بجريدة ''البديل'' ـ أخرج الكاميرا الخاصة بـه وأنا برفقته أمام فُندق ''فورسيزون'' على شاطئ النيل. التقط بعض الصور ولقطات الفيديو إلى أن جـاء أحد المواطنين الشرفـاء، وأمسك هذا البلطجي ـ من وجهة نظري ـ بالكاميرا من يد آدم وأجبره على عدم التصوير، مع ضربه.
لم يكمل آدم حديثهُ ليخبرهم بأنه صحفي إلا وكان فوق رأسه العشرات من جنود الأمن المركزي الذين أشبعوه ضربا حتى بعد أن أخبرهم أنه صحفي! وبعد أن أظهر لهم الكارنيه الخاص به، سبوه وسبوا الصحفيين وانهالوا عليه ضربا.
فى هذه اللحظة حاولت وبكل قوة إبعادهم مرة ثانية عنه ولكن أمسك بى وقتها بعض جنود الأمن المركزي، وانهالوا علي بالضرب أنا الآخر، فصرخت فيهم بأنني صحفي وهو أيضـا, ولكن لا صوت يَعلو فوق أصواتهم. أمسك أحدهم يدي وأخد مني: موبايلي, المحفظة, كل متعلقاتي الشخصية، أى سرقها، وبدأ فى ضربي ليوحي للجميع من أصدقـائه أنني إخواني ولست صحفيا، وليغير الواقعة تمامـا استمر هذا لعدة دقـائق إلى أن اصطحبوا ''آدم'' إلى مدرعة الشرطة وألقوهُ بداخلها، وما أدراك ما حدث له بالداخل.
كل هذا يحدث تحت سمع ورؤية عدة لواءات و ضباط من الداخلية، ناهيك عن كمية الشتائم والسباب والألفاظ القذرة, حاولت أن أخبر عدة ضباط بأنني صحفي، ولكن ردودهم كانت مستفزة: خلي الصحافة تنفعك, ممنوع يا حبيبي حاجة هنا اسمها صحافة, صحفي هاهاها أقعد في بيتك يا أمور. كمية استهزاءات غربية لا حصر لها.
أيقنت أن هذه المنظومة كانت ومازالت وستظل كما هي، إلى أن يكون لهذا الشعب إرادة حقيقية تَستطيع التغيير بشكل جاد وفعال.
ثلاث ساعات وأكثر ونحن على الكورنيش أحدنا جريح وثان مُغمى عليه والآخر ممسوك بالخطأ. وكان من ضمن الشباب المقبوض عليه شاب مريض خرج من مستشفى قصر العيني ليحضر لنفسه علاجا بعد أن أجرى جراحتين بالكلى، وحاول إخبارهم بهذا ولكن إلى شخص يشكو؟
بعد ثلاث ساعات وأكثر جعلونا نركب سيارة الترحيلات وبدأ الضرب مجددا من عساكر الأمن المركزي ومن ضباط العمليات الخاصة بجهاز الداخلية بالعصي الحديدية فوق الرأس والجسد.
حينما دخلنا سيارة الترحيلات، أمسك هذا الشاب المريض يدي، وقال لي إنه لا يَستطيع التنفس، وبدأ يفقد وعيه ويخرج من فمه لعاب ودمـاء أثر الضرب الذى تلقاه بالخارج. ولا أنسى أيضـا هذا العجوز الستيني الإخواني الذي لم يُرحم من شباب في سن أحفاده، وربما كان يحتضر و قتها داخل السيارة.
رأيتُ الضرب والقمع وغيره في السابق، آملًا أن يَتغير هذه كله فى المستقبل فوجدت كل هذا فى المُستقبل ولم يَتغير أبدًا. هذه المنظومة الشرطية الفاشلة القاتلة حقـًا لا تزال على ما هي عليه، و مازالت تتعامل مع الشعب بمبدأ الكرباج.
الظلم مستمر و الثورة أيضا مستمرة. والقمع يَتزايد من هذا الجهاز الأمني القاتل وانتفاضتنا مازالت تَتزايد منذ الثورة في يناير إلى الآن. لا نمل ولا نهدأ قبل أن نَكون ما خرجنا من أجله في يومٍ ما. انتهت المقاطع التي تلخص شهادة الأستاذ محمد الزيات.
• الشهادة الأخرى هي شهادة المصور "عمرو صلاح الدين" التي يقول فيها عن تظاهرات الدقي يوم 6 من أكتوبر:
أطلقت قوات الأمن الغاز المسيل للدموع والخرطوش لمدة ساعة تقريبا، ورد المتظاهرون برمي الحجارة.
بعد دقائق انضمت وحدة من الجيش إلى قوات مكافحة الشغب، و قاموا بفتح النيران على المتظاهرين مستخدمين الرشاشات الخفيفة والخارقة للدروع، تساقط المتظاهر تلو الآخر، معظم الإصابات كانت في الرأس و الصدر.
وبعدها قامت قوات الأمن مدعومة بوحدة الجيش بدفع المتظاهرين داخل شارع مصدق حيث قتلوا عشرين متظاهرا على الأقل، وكان القناصة قد تمركزوا على أسطح بعض البنايات وكانوا يقتلون الناس عشوائيا، وفي نهاية اليوم "أُعلن" عن مقتل آربعين متظاهرا. وكادت رصاصات أحد الجنود تقتلني وأنا أقوم بتصويره.
هؤلاء هم من يزعم الانقلاب أنهم مسلحون: متظاهرون، أقصى ما لديهم الحجارة، مع مرضى ومسنين يعتقلون عشوائيا وهم يحتضرون. والمؤكد أن السلاح الوحيد في التظاهرات مع عناصر الجيش والشرطة والبلطجية. وهاتان شهادتان، لاثنين من الصحفيين، لا من المشاركين في التظاهرات. شهادتان مضمونهما واضح: آلة القمع تعمل بأقصى طاقتها، والجديد أنكم تدعمونها، وهو دعم مرده عدم وضوح الرؤية. هذا مع منتهى حسن الظن.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق