أحدث المقالات

الدور السياسي للموتى!



الاستدعاء القسري للموتى للقيام بأدوار سياسية هذه الأيام، هو من الأمور الكاشفة عن أن الانقلاب لا يمثل امتداداً لثورة يناير المجيدة، وإنما هو امتداد لمرحلة حكم حسني مبارك، فقد أعادنا إلى هذه المرحلة، لتمثل الفترة السابقة والتي لم تتجاوز العامين ونصف العام مجرد جملة اعتراضية في السياق العام!.
نظام مبارك كان يولي عناية خاصة بالموتى، وكذلك نظام الفريق السيسي الذي صنعه المخلوع علي عينه، وعينه رئيساً للمخابرات العسكرية، وكان حكم مبارك يستدعي الموتى للحكم، فيشكل الحكومة منهم، كما يستدعيهم من القبور لتأييد الحزب الوطني في الانتخابات العامة، فإذا هم من الأجداث إلى اللجان الانتخابية ينسلون، وكثيراً ما ضبطتهم محكمة النقض متلبسين بذلك، فقضت ببطلان الانتخابات في بعض الدوائر التي شهدت حضورهم!.
وعلي الرغم من توقف نظام مبارك، ومنذ حكومة نظيف، عن الاستعانة بالموتى، والهاربين من عزرائيل، في إطار تدعيم أركان الحكم، وممن كان يناديهم جمال مبارك بـ " عمو"، فإنه وفاء لعظم التربة فقد ظلت الاستعانة بالموتى في الانتخابات، سياسة معمولاً بها، ورفضت وزارة الداخلية تنقية كشوف الناخبين منهم، كما رفضت الاعتماد علي الرقم القومي، ومما قالته تبريراً إن هذا أمر صعب، فلما قامت الثورة، فوجئنا بأن المسألة أسهل من " شكة الدبوس"!.
في عهد ما بعد الانقلاب، جري التوسع في سياسة استخدام الموتى في بناء الحياة السياسية الجديدة، صحيح أنه لم يجر إلى الآن دمجهم في الحياة السياسية بالسماح لهم بالتصويت في الانتخابات، لكنهم حاضرون وبقوة في كثير من المجالات!.
قبل أيام عين وزير الداخلية أحد الأشخاص عمدة لنكتشف أنه مات قبل سنوات، وقبل أسابيع عين وزير التنمية المحلية شخصاً لمنصب رئيس مدينة، لنكتشف أنه مات أيضاً، وقبل هذا شاهدنا هذا الفيلم الهندي الخاص بالشيخ مهدي، قبل أن نكتشف أن الشيخ المذكور مات وشبع موتاً، وعلي الرغم من هذا الاكتشاف إلا أنهم ظلوا يواصلون رسالتهم في محاولة استدعائه للقيام بدور إرهابي ليمكنهم من تقديم مدينة كرداسة علي أنها مخبأ للإرهابيين!.
لقد حملت الشرطة الباسلة في لحظة اقتحامها للمدينة مكبر صوت، وظل أحدهم يهتف في البرية مطالباً الشيخ مهدي بأن يسلم نفسه فالمكان محاصر، ولن ينفعه الهرب، ولم يلتفت المنادي من قريب، إلى ما أخبره به الأهالي بأن الشيخ مهدي مات، وظل ينادي ليومين متتاليين، وربما لسان حال المنادي أنه يعلم أنه ميت وماذا في ذلك؟!، فالموتى كانت لهم أدواراً عظيمة في تثبيت أركان حكم الاستبداد في مصر قبل الثورة، وآن لهم أن يعودوا لأداء نفس الدور في مصر بعد الانقلاب، الذي يعد شعاره في تسيير دفة الحكم: " من فات قديمه تاه"
حكم جماعة الانقلاب منبت الصلة بمرحلة جمال مبارك، فهي الامتداد لحكم مبارك الأب الذي كان يؤمن بأن الدهن في العتاقي، ولهذا ظلت الحكومات التي شكلها من القواعد من البشر، علي وزن القواعد من النساء، وكان يؤمن بأن الحكمة تتنزل علي الناس بعد سن السبعين، والوزير الوحيد الذي جري تعيينه شاباً وهو فاروق حسني، تم تركه في موقعة إلى أن دبت الشيخوخة في أوصاله وصار عجوزاً من فصيلة الميتين!.
لست مع الدعاية التي يجري الترويج لها حتى صارت تتردد علي أنها بديهية، وهي أن قادة الجيش كانوا يرفضون التوريث، ولهذا انحازوا للثورة باعتبارها تضع حداً لهذه العملية، فلم يثبت أن أحداً منهم تبرم من فكرة التوريث أو اعترض، أما الحديث عن انحيازهم للثورة، فهذا كلام لا دليل عليه، وهناك أدلة علي أنهم كانوا جزءاً من إدارة مبارك إلي آخر يوم له في السلطة، ولنا أن نعلم بأن هناك اعترافات لبعض القادة العسكريين نفوا ما تم الترويج له في إطار الدعاية لهم من أنهم أمروا مبارك بالتنحي!.
كون الانقلابيون لا يعتمدون سياسة جمال مبارك في الحكم بتعيين الشباب في الحكومة، فإنه لا يعني أنهم ضده، فقط هم لأنهم تربوا في ظل دعاية تقدم مبارك علي أنه حكيم العصر، فقد آمنوا بنظريته في استدعاء الموتى للحكم، وقد اعتمدوا نظريته، فاختفت مصر الشابة، التي تجلي شبابها في ثورة يناير، لتظهر تلك العجوز الشمطاء، التي تدار الأمور فيها من مقابر العائلة بالبساتين!.
"متوَفي" اسمه حازم الببلاوي هو رئيس الحكومة المؤقتة، وموتي معه في مجلس الوزراء، وعندما أشاهدهم وقد كلفوا من أمرهم رهقاً، يستقر في وجداني أننا أمام عملية تمثيل بالجثث، لا تقل في فظاعتها عن التمثيل بجثث الشهداء في رابعة والنهضة!.
ولا بأس، فالانقلاب رسم السيناريو الخاص به واحد من المصريين القدماء وهو الأستاذ محمد حسنين هيكل، ولهذا كان هذا السيناريو مغرق في القدم، واستدعي أجواء قديمة ظن أنها قابلة للتطبيق في هذا الزمان، فظن أن الإخوان في هذا الزمان هم ذاتهم إخوان سنة 1954، وأنه بمجرد أن يجري اعتقالهم ستكون كل طلباتهم محصورة في تحسين شروط الاعتقال، وكانت المفاجأة له، ولسكان القبور، تتمثل في هذا الصمود من قبل الجماعة ومن قبل الرئيس المختطف، فقيل لهم تعالوا إلى خريطة المستقبل مقابل الإفراج عن بعضكم فرفضوا وكان شرطهم بل عودة الشرعية.
والغريب أن من كان يمثل المعارضة في عهد مبارك بعد أن بلغ أجله انضم إلى سلطة الانقلاب مدافعاً ومبرراً وهو الدكتور سعد الدين إبراهيم، الذي تجاوز دوره القديم كمدافع عن حقوق الإنسان، ومع السلطة المدنية، فالآن هو يبرر للسيسي سوء عمله ليراه حسنا، بمجرد إن مات!.
لا تثريب علي سلطة الانقلاب إن هي استدعت الموتى، أو حتى قامت بالتمثيل بجثثهم من خلال تكليفهم بأدوار تحتاج إلي أولي القوة من البشر، فالبأس الشديد في أن يوافق هؤلاء الموتى علي القيام بهذه الأدوار، وهم في مرحلة تستهوي من في حكمهم حياة الهدوء، والاستغراق في الطاعات، إنها سوء الخاتمة!
ولا بأس، فالمأساة الحقيقية ان يستدعي الموتى لحكم الأحياء، وأن تكون عقدة الأمر في مصر بعد الانقلاب بيد من هم في مرحلة عذاب القبر.
ويا شيخ مهدي سلم نفسك، فالمكان محاصر، وقم من مرقدك لتؤدي دورك الوطني في تثبيت دعائم النظام الجديد في مصر.


اقرأ المزيد هناhttps://www.facebook.com/mkalatkom

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الزوار

مدونة مقالاتكم Designed by أحمد عبد العزيز | MyBloggerLab Copyright © 2014

مدونة مقالاتكم. صور المظاهر بواسطة richcano. يتم التشغيل بواسطة Blogger.